في قلب منطقة الساحل الأفريقي، حيث تلتقي الرمال بالدماء والسياسة بالفوضى، تحول الوجود الروسي من شريك عسكري خفي إلى لاعب رئيسي يرسم ملامح الصراع. منذ انسحاب القوات الفرنسية والغربية، ووصول أنظمة عسكرية إلى السلطة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، أصبحت موسكو الحليف الأبرز لهذه الحكومات الانتقالية عبر «تحالف دول الساحل» (AES). لكن الانتقال من مجموعة «فاغنر» إلى «فيلق أفريقيا» (Africa Corps) لم يكن مجرد تغيير في الاسم، بل كشف عن ثمن باهظ يدفعه المدنيون مقابل الدعم العسكري.
من الظل إلى الواجهة الرسمية
بدأت قصة الروس في الساحل مع مجموعة فاغنر، التي قدمت تدريباً ومقاتلين ومعدات لأنظمة مالي أولاً، ثم امتدت إلى بوركينا فاسو والنيجر. كانت فاغنر أداة مرنة تخدم مصالح موسكو دون التزام رسمي كامل.
اليوم، يشارك مقاتلو فيلق أفريقيا في عمليات مشتركة مع الجيوش المحلية. في يوليو 2026، على سبيل المثال، تعرضت قافلة مشتركة للقوات المالية وفيلق أفريقيا لكمين قرب بلدة أنيفيس شمال مالي، أسفر عن مقتل عشرات الجنود. كما ساهمت الطائرات الروسية في استعادة السيطرة على بعض المواقع بعد هجمات منسقة شنتها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المتحالفة مع جبهة تحرير أزواد الانفصالية. هذه الهجمات، التي وصلت إلى محيط باماكو وأدت إلى مقتل وزير الدفاع المالي في أبريل، أبرزت حدود القدرات الروسية في مواجهة عدو يتحرك بسرعة ويسيطر على طرق ومناطق واسعة.
الدعم العسكري: مكاسب استراتيجية وثغرات ميدانية
بالنسبة لأنظمة AES، يمثل الروس بديلاً عملياً عن الشركاء الغربيين الذين اشترطوا انتقالاً ديمقراطياً سريعاً. توفر موسكو أسلحة وذخائر وطائرات مسيرة ودعم جوي، وتساعد في بناء قوة مشتركة يُخطط لتوسيعها إلى 18 ألف جندي. كما تعزز الروابط الاقتصادية، خاصة في مجال التعدين واليورانيوم، مما يمنح الروس نفوذاً طويل الأمد.
لكن الميدان يروي قصة أخرى. التحالف التكتيكي بين الجهاديين والانفصاليين الطوارق أثبت فعالية عالية في شن هجمات متزامنة عبر مناطق متعددة. القوات الروسية والمحلية تواجه صعوبة في تأمين الطرق الاستراتيجية وحماية العواصم والمناطق الحدودية. في الوقت نفسه، أدت الغارات الجوية، بما في ذلك استخدام ذخائر عنقودية مشتبه بها، إلى خسائر مدنية متزايدة، مما يغذي الاستياء المحلي ويوفر ذخيرة دعائية للجماعات المسلحة.
الكلفة الإنسانية بالأرقام
الثمن الأكبر يدفعه المدنيون. وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، أدى العنف المستمر إلى نزوح نحو 6.8 مليون شخص داخل المنطقة، إضافة إلى أكثر من مليون لاجئ. آلاف القتلى المدنيين سُجلوا في الأشهر الأولى من 2026 alone. القيود على الحريات المدنية، وإغلاق مكاتب حقوق الإنسان، وتعليق عمل منظمات المجتمع المدني، تزيد من عزلة السكان عن أي حماية دولية.
الدعم الروسي ساعد الأنظمة في البقاء، لكنه لم يحل أزمة الحكم أو الفقر أو تغير المناخ التي تغذي التطرف. بدلاً من ذلك، أصبح الوجود الروسي جزءاً من معادلة معقدة: حماية النخب العسكرية مقابل استمرار دورة العنف والنزوح.
آفاق المستقبل
مع استمرار التصعيد وتوسيع AES لتعاونها العسكري، يبدو أن موسكو مستعدة للاستثمار أكثر في المنطقة. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يستطيع فيلق أفريقيا، مدعوماً بجيوش محلية منهكة، كسر شوكة الجماعات التي أصبحت أكثر تنسيقاً وتطوراً؟ أم أن الساحل سيظل مسرحاً لحرب استنزاف طويلة يدفع المدنيون ثمنها الأغلى؟
المنطقة اليوم ليست مجرد ساحة نفوذ روسي-غربي، بل اختبار لقدرة الدول الأفريقية على بناء أمن ذاتي حقيقي بعيداً عن الاعتماد على أي قوة خارجية. والمستقبل يعتمد على ما إذا كان هذا الدعم العسكري سيتحول إلى استقرار مستدام، أم سيبقى مجرد غطاء لصراعات أعمق.

العربية